Showing posts with label نظرات في الكتب. Show all posts
Showing posts with label نظرات في الكتب. Show all posts

Sunday, February 5, 2017

أكل فصيح قال شعرًا: مُتَيَّمُ؟!



رغم وفاة "المأمون أبو شوشة" عن سبعة وثلاثين عامًا في بداية ستينيات القرن الماضي، إلا أن هناك الكثير ممن يتذكره، ولكن ليس لشعره، وهذا ديوانه الأول، والأخير، وطُبع بعد وفاته، مع مقدمة كتبها أحد نقّاد الأدب، وختمها بهذه الكلمة: أنه "ما كاد يغنّي حتّى أُسكت"، ولكنهم يتذكرونه لشخصيته، فهو كان يقدّم في الإذاعة برامج ساخرة منها: ساعة لقلبك، وصواريخ، إلى جانب موهبته في تقليد أصوات المشاهير وقول الأزجال الساخرة، والتي بهذه المناسبة لم يضمّها ديوانه هذا

وديوانه الأول هذا كنت أودّ أن أرى شخصيته فيه، فلم أرها سوى في قصيديتين، أولهما قصيدة "الشعب ثار"، وخاطب فيها بسخرية "ركيكة" الملك السابق، وبدأها قائلاً:

مولاي يا أغلى ملك
يامالك الدنيا بما وسعتْ، وأعدل مَن ملكْ
يا أحكم الحكماء رغم الأغبياء
يا أعلم العلماء رغم الأدعياء
ماذا يقول الأغبياء الأدعياء
الشعب ثار
في وجه مولاه الدولار
لا لا محال
محض افتراء ما يقال
الشعب شعبك كله ملك اليمين بضيعتك
أوَ لست صاح تاجه والصولجان
أوَ لست مولاه العظيم الشاه قدّيس الكيان
وحليف سادته العظام الطيبين الأمريكان
لا تكثرث واحكم فحكمك ما تراه
سيّان ثار الشعب في وجه الدولار أو الطغاة

..
إلى آخرها، ورغم ركاكتها الظاهرة إلا أن إطارها الساخر يعكس كالمرآة شخصية محدثها وهذا خيرٌ من ألف قصيدة عصماء لا نرى خلالها وجه قائلها

وأما الثانية، فهي قصيدة "أغدًا أموت؟!"، ولأنه مات شابًا فقد أُثرت عنه:

أغدًا أموت؟
وتموتُ في قلبي الحياةْ
وتذوبُ كلُّ عواطفي بين الترابْ
وتروحُ كل خواطري ورؤى الشبابْ
وأعودُ شيئًا لا يُحِسُّ ولا يُحَسُّ ولا تراه
..
أغدًا أموت
وتموتُ هذي الأغنياتْ
وتموتُ أحلامي الطموحة والرؤى والأمنياتْ
..

وغير ذلك فكنت أودّ لو سمح لشخصيته المرحة بالظهور عبر قصائده، لا عن طريق تقديم البرامج الساخرة بالإذاعة، ولا بالأزجال الفكهة، فليس الشعر حكرًا على الكلام الرصين أو العاطفة المعذّبة أو الدمع والأنين!، فقصائد الحب التي تملأ صفحات هذا الديوان رأيتها مرارًا من قبل في التجارب الأولى للشعراء، وهي بكل يقين لا تتكأ على تجربة، أو تتكأ في أفضل الأحوال: على تجربة ضحلة، ولا أدري هل هذا ما قصده كاتب المقدّمة أو لا؟، عندما بدأ مقدمته قائلاً:

إنّ أول شيء يقابلنا هو أن العالم الذي كان يكتب عنه الشاعر عالم غير حقيقي، فهو عالم خيالي مملوء بالضباب والوهم واليأس، وهو عالم عليل يقف على نهايته باب ضخم يفضي إلى الموت مباشرة
فالحبّ الذي يعدّ القوت الضروري للشعراء، والذي ظلّ شعلة موروثة يتسلّمها الشعراء جيلاً بعد جيل .. [إلخ إلخ إلخ] .. هذا الحب نراه عند "المأمون أبو شوشة" – برغم شبابه – شاحبًا وحزينًا يكاد يتساقط من الإعياء والشك وعدم الثقة فيه ..

ولا أحب أمثال هذا النقد على أي حال وقرأته بعد قراءة الديوان كأداء واجب، ولكن من القصائد التي تجزم بعدم وجود هذه التجربة من أساسها، قصيدة "أغار عليكِ منكِ"، وقدّمها بمقدمة نثرية صغيرة تقول كلماتها:

قالت: تغار عليّ؟، قلتُ: منكِ!، قالت: تحبّني؟، قلت: أحبّكِ أكثر من الروح!

 ثم تبدأ الغيرة:

أغار عليكِ يا خفق النسيم وبسمة الوردِ
أغار عليكِ منكِ لإنني أهواكِ لي وحدي
.
أغار عليكِ من مرآتكِ الحمقاء يا سمرا
ستكشف عن مفاتنك الحسان وترفع السترا
.
أنا: انتظر!، لحظة!، لماذا تغار عليها من مرآتها، ماذا قد تفعل بها؟

هو:
.. ترينَ بها جمالكَ صورةً دفّاقةَ الحسنِ
وتجلو سرَّ ما بين الشفاه الحمر والعينِ

أنا: آها، فهمت!، آسف!، أكمل ..!

هو: 
أغار عليكِ من عينيك من تيّارها الغامر
وأخشى أن ترى سحرَ الهوى في حسنكِ الغامرْ

أنا: لحظة!، آسف مرة ثانية!، لماذا حقًا تغار عليها من عينيها هي، وماذا حتى لو رأت عيناها جمالها، فهما لها، وليستا لغريب مثلا؟!

هو:
.. فتهوينَ الذي أهواه فيكِ، وأنتِ إغراءُ
وكلُّ مُناي أن أهواكِ وحديِ، أنتِ حسناءُ

أنا: آها فهمت!،آسف!، وأعذرني لبطء فهمي، إذن، عيناها المركّبة في أمّ رأسها إن رأتا جمالها عند مطالعتها لنفسها في المرآة ستعشق صاحبة الوجه، ولأنها هي نفسها عينا صاحبة الوجه، فهذا سيؤدي أنها ستُغري نفسها بنفسها ومن ثمَّ ستعشق نفسها، وهذا خطر عليك فأنت لا تريد شريكًا في حبك حتّى لو كانت هي نفسها، أليس كذلك؟

هو:
أغار من الوجود عليكِ يا لي من حماقاتي
وحتّى أنتِ يقلقني زحامكِ في صباباتي
.
أخاف عليكِ حبكِ نفسَكِ، النفسُ التي أحببت
وحبّي أحمقٌ يأبَى شريكًا فيه .. حتَى أنت
.

أنا: نعم!، نعم!، هذا ما كنت أقوله!

.
.


ومن  أسف فأن قصائد الديوان غير مؤرخة، وكنت أحسبني سأستغرق وقتًا في قراءتهن لكثرتهن، إلا إنه مرّ سريعًا، فلم يكن فيه الكثير مما يلفت النظر، غير قصيدة (بل: أغنية) "لو"، فهي جميلة للغاية وتخيّلتها مغنّاة في يسر وعذوبة، وتلك الأبيات الأخرى لفتت نظري وحدها كثيرًا، من قصيدة "المجنون والغانية":

يا أيها الزمنُ العجوزُ، وقد عشقتَ قتاليهْ
أنا ندّكَ العاتي، وصخرتُكَ الكئودُ العاتيةْ
حطّمتُ أقدارَ الوجودِ ..
وحطّمتني غانيةْ!

..

وددت وحسب لو لم يتكلّف صاحب الديوان القول، ولعلّها كانت قصائد البدايات، ولعلّه كان سيستبعدها من ديوانه الأول إذا نشره بنفسه، مَن يدري؟، فشوقي نفسه عندما كان يزمع في أخريات حياته في إخراج طبعة ثانية من ديوانه كلّف أحدهم بالبحث عن قصائده القديمة المنشورة في الجرائد القديمة، ووُجد الكثير منها، ولكنه كان يمزّق أكثرها في بساطة ورفض أن تنشر في ديوانه، إيه!، ربما ظهر "المأمون أبو شوشة" بعد وفاته لجامع ديوانه ليعتب عليه صنيعه، وربما سأله كذلك عن أزجاله أين هي، لمَ لم يثبتها مع أنها كانت أجمل ما عبّر عنه!

Wednesday, January 25, 2017

عهدي: مذكرات خديوي مصر الأخير


مرّت مصر في "مذكرات عباس حلمي الثاني" في عهده الذي استمر من 1892-1914، بأحداث بارزة مثل حادثة دنشواي، وفاشودة، وبناء الجامعة المصرية، ومر عليها كذلك شخصيات بارزة مثل الإمام محمد عبده، ومصطفى كامل، والشيخ علي يوسف، واللورد كرومر، وكتشنر، وجورست، ومستر دنلوب، والمذكرات مكتوبة في أصلها بالفرنسية وتُرجمت إلى العربية، وإن لم أحب الترجمة كثيرًا، وودت فقط لو طالع المترجم الكتب والمذكرات ولغة الصحف خلال هذه الفترة ليتشبّع من أسلوبها وتكون الترجمة أقرب إلى لغة زمن الكتاب بدلاً من مجيئها في لغة حداثية ومسطّحة

أما عن المذكرات فهي بسيطة أكثر من اللازم!، ولا أدري هل كتابتها في الأصل بالفرنسية لها شأن في ذلك أو لا، أقصد لأن استخدام لغة أمّة في الحديث عن أحداث أمّة أخرى ربما يدفع الكاتب نحو تبسيط الأحداث، ولو لا إراديًا، لأنه قلمه سيخبره على الدوام أنه يكتب لأبناء لغة ثانية لا يدركون عمق الكثير من الأحداث التي يرويها، أو ربما كان ذلك ببساطة لأنه كان يقصّر حديثه حول السياسة العامة لمصر في عهده، ليبيّن مدى تدخّل المعتمد البريطاني في شئون البلاد الأمر الذي أدّى إلى عزله ونفيه إلى سويسرا، وجرى العزل بأسلوب رخيص ومباغت ومقام على حجج ساقطة والذي حدث عندما كان في زيارة إلى تركيا، وتعرضه لمحاولة اغتيال نجا منها بمعجزة رغم تخاذل جميع أفراد حراسته عن التدخّل في اللحظات الثقيلة الأولى، وقد ألزمته تلك المحاولة الفراش هناك لشهور ثلاثة جاء بعدهما أمر العزل لأنه متواطئ مع أعداء إنجلترا ومُنع بالقوة من العودة إلى مصر، وكان هذا وقت الحرب العالمية الأولى، وبالتأكيد فنّد صاحب المذكرات تهمة التواطئ بسهولة، وبات جليًا أن حادثة الاغتيال المدبّرة مرتبطة بحادث العزل، ثم افتخر بهذا العزل لأن إنجلترا أصبغت صيغة رسمية أخيرًا لاحتلالها البلاد، وأعلنت الحماية البريطانية على مصر وقطعت صلتها بالخلافة، فيقول الخديوي الأخير في مذكراته:


أشعر بفخار أن إنجلترا لم تجرؤ على إعلان حمايتها على مصر إلا بعد أن أبعدتني عن السلطة، أما شعار حكمي ذلك التراث المجيد من أسرتنا، فقد احتفظت به بدون أي تلطيخ، أو أي ضعف، وهكذا، ولكي تقوم إنجلترا بالحكم، وعن طريق سلطان مخلص لها – حتى وإنّ كان من الأسرة الخديوية – فإنها اختارت الأمير حسين [كامل]، الذي لم يكن في الواقع أكثر من ستارة، وما دامت إنجلترا قد وجدت من الضروري أن تؤكّد وبهذه الطريقة الرسمية، استيلاءها على السلطة المزدوجة: الإدارية والتنفيدية، في مصر، فإن ذلك يعني اعترافها بأنها لم تكن لها هذه السلطات أثناء حكم [والدي] توفيق أو حكمي


وأدرك أنه صاحب المذكرات، ولكن مواقفه الوطنية المعهودة ووقوفه بجانب القوى الوطنية، وتأييده لحركات إصلاح الشيخ محمد عبده، وتعاونه الوثيق للغاية مع مصطفى كامل والحزب الوطني، وغيره من الشباب الوطنّي المتحمّس لقضية البلاد وقتذاك، فكل هذا صحيح لا ينكره أحد، كما أن حديثه عن عرابي مقبول كثيرًا نظرًا لما أحدثته حركته بعد ذلك من التدخل الإنجليزي المباشر في مصر وبدأ الاحتلال وانهيار سلطة أسرة كاتب المذكرات، وكذلك دفاعه عن والده الخديوي توفيق وقراراته وسط التدخّل الإنجليزي الذي أحسن والده الظنّ به، والكلمة المعروفة التي قرأتها عن في كتب التاريخ الأخرى وصفت فعل والده "بالسذاجة" لأنه وثق ثقة عمياء في كلمات إنجلترا بعدم التدخل وأن هذا وضع مؤقت للغاية لا يوشك أن تعود بعده لمصر سيطرتها على إدراتها، ونسى الخديوي توفيق أو تناسى أن لإنجلترا مصالح جمّة في مصر لأنها تربط أجزاء أمبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس ولأنها وسط طريق مواصلاتها في مستعمراتها في الهند، بينما كان ابنه في مذكراته يسمّي فعله وحسب بكلمة "حسن نية"، وكان هذا في الحالتين خطأ والده الأكبر، دون أن ينسف ذلك من إصلاحاته الأخرى، فكان دفاع الابن عن والده مقبولاً أيضًا ومن اليسير تفهّمه .. أقصد هل توقّع أحد العكس؟!


وكذا فأن كاتب هذه المذكرات كان يعترف بأخطائه الأولى في شجاعة، ويندم عندما يتذكّرها، ويعزوها كلها إلى قلة خبرة الشباب، فقد وُليَ العرش وهو في التاسعة عشرة، بينما كان اللورد كرومر في أوجّ سطوته وتدخّله في كافة شئون مصر


تمنيت فقط أن يكون الحديث متشعبًا أكثر، أتتذكرون مذكرات جويدان هانم؟، إنها زوجته النمساوية، ولم يأت ذكرها ولو عرضًا خلال هذه المذكرات!، وكذا علاقته الخديوي الوثيقة بأحمد شوقي، وعمل الأخير معه وقربه منه إلى أن نُفِيَ شوقي بدوره إلى إسبانيا بعد عزل الخديوي حيث عُدَّ من رجال العهد الذاهب، ومع هذا فلم يأت على ذكره إلا في سطرين فقط تذكّره فيهما وقال عنه إنه: "ذلك الرجل العبقري الذي عرفته وأحببته والذي حقق للغة العربية والفكر الوطني نهضة كبيرة".


إنها خيبة أمل، ولكن وجود هذه المذكرات أفضل من عدمها

Saturday, January 21, 2017

التاريخ لا يموت





أحببت المؤلِّف "د. يونان لبيب رزق"، ومؤلَّفه "الأحزاب السياسية في مصر 1907-1984"، ود. يونان مِن الأشخاص الذين تودّ لو امتدَّ بهم العمر قليلاً ليؤرخ لما يحدث بيننا الآن ويعقّب بآرائه ويكرر بصوته الواعي وهو يربط بين أحداث الحاضر بالماضي مقولته: "التاريخ لا يموت"، أو يقدّم تعريفه لمعنى "الثورة"، ففي بساطة وفتنة آسرة يقول د.يونان:
الثورات تقوم نتيجة عجز النظام السياسي عن استيعاب المتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية التي تصنعها حركة التاريخ، وترجمتها إلى مشاركة في السلطة وتغيّرات في القانون وإعادة لبناء المؤسسات الدستورية على نحو يستجيب مع تلك المتغيّرات.
وتوصيف عمل أو مجموعة أعمال بالثورة يكون صحيحًا بقدر ما تحقق من إنجاز في حل التناقض بين السلطة وبين مجموعة المتغيّرات التاريخية، وليس مجرد الانقضاض على رجال هذه السلطة أو جناح منهم وإبعادهم عن مواقعهم
وبهذا التعريف المحدد، والمبسط في نفس الوقت، يمكن توصيف ما صنعه عبد الناصر خلال أغلب سني حكمه، بالثورة، وإن كان يعيبها أنها كانت "ثورة بلا ثوار"، فقد اعتمد النظام على التغيّر "بالقرارات الجمهورية"، لا التغيّر من من خلال القوى الاجتماعية المستفيدة بالتغيير.


ومات د. يونان في يناير 2008، ولو امتدّ به العمر أحسبه كان سيقول أن ثورة يناير 2011، كانت "ثوار بلا ثورة"، وإن كان قيامها حتميًا، وضرورة تاريخية أوجبتها معطيات التاريخ الاقتصادية والاجتماعية، ثم قامت ولم يقم التغيّر، لا من من خلال القرارات الجمهورية ولا من خلال القوى الاجتماعية المستفيدة .. أو لم تُؤتي أُكُلَها بعدُ، فالتاريخ لا يموت

Wednesday, January 11, 2017

من فرائد الجمهرة - 2




كتبَ إلى عمر بن العزيز عاملُه بالمدينة (بمثابة المحافظ الآن) أن يُصرف له من مال الدولة ثمن الشمع الذي يُستضاء به حين الخروج إلى صلاة العشاء والفجر، وقال له في رسالته أنه كان يُقطع من بيت المال لمَن أمسكوا من قبل منصبه هذا، ثمن هذا الشمع، وعندما أطلع عمر بن عبد العزيز على رسالته، رفض أن يصرف من بيت المال قيمة هذا البدل لرجال الدولة، وكتبَ إلى ذلك "المحافظ:
قد عهدتُكَ وأنت تخرج من بيتك في الليلة المظلمة الماطرة الوَحِلة بغير سراج، ولَعَمري لأنتَ يومئذٍ خيرٌ منكَ اليومَ .. والسلام
وفي رواية ثانية:
فارضَ لنفسك اليومَ ما كنتَ ترضَى به قبل اليوم
ثم كتب إليه ذلك المحافظ نفسه، أن:
سلامٌ عليكَ، أما بعدُ، فإنّ بني عَدِيّ بن النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، انهدم مسجدهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لهم ببنائه فليفعل
فأجابه عمر بن عبد العزيز بكتابٍ منه يقول فيه:
كنتُ أحبُّ أن أخرج من الدنيا ولم أضع حجرًا على حجر ولا لَبِنةً على لبنة، فإذا أتاك كتابي هذا فابْنِه لهم بلَبِنٍ بناءً قَصْدًا (أي مقتصدًا في تكاليفه)، والسلام عليك
هذا في شأن بناء مسجد أخوال الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم كتب إليه عامل ثانٍ على مدينة أخرى:
أما بعدُ، فإنّ مدينتنا قد خَرِبت، فإن يَرَ أميرُ المؤمنين أن يقطعَ لنا مالاً نَرِمُّها به، فَعَلَ!
فكتب إليه عُمر بن عبد العزيز:
أما بعدُ، فقد فَهِمتُ كتابك، وما ذكرتَ من أن مدينتكم قد خَرِبَت، فإذا قرأتَ كتابي هذا: فَحَصِّنْها بالعدل، ونقِّ طُرُقَها من الظلم، فإنّه مَرَمّتها، والسلام
وفي الحجّ كُتب إليه أن يأمر للبيت الحرام بكسوة جديدة، مثلما كان يفعل سلفه من قبل حين حلول موسم الحج، فكتب إليهم عمر بن عبد العزيز:
إنِّي رأيتُ أن أجعل ذلك في أكبادٍ جائعةٍ، فإنَّه أولى بذلك من البيت
 •

إنها أولويات، فترميم المساجد، وإنارة الطرقات وإصلاحها، وتعمير المدن، وبناء الحصون، وتوسيع الحرم المكّي، وتغيير كسوة البيت الحرام، كل ذلك في سُلَّم أولويات رئيس الدولة يقع على آخر الدرجات، فالدولة ليست مطالبة بتوفير إحتياجات المواطنين، فهذا أدعى للتواكل الكاذب والتدافع بالمناكب والأقدام أمام طوابير أي مشروع أو خدمة عامة أو توفير سلع تعلن الدولة عنها بأسعار مدعومة أو شروط ميسّرة، لأن ساكن الدولة هو الذي يعمّرها، وهو وحده المكُلَّف بالعمل والسعي وبناء أو شراء أو استئجار مسكنه وشراء كافة احتياجاته، فهذا جزء من رحلة الحياة، وأقصد بساكنها هو المواطن العادي مثلي ومثلك، وإن عدنا إلى ما نعتبره – نحن المسلمين – المدينةَ الفاضلة، وهي فترة إقامة النبي عليه الصلاة والسلام للمدينة، وإقامته لأول مجتمع مسلم عليها تحت إرشاده ورعايته، ثم ننظر إلى ما كان يُعمّر في المدينة من مساجد وحفر آبار وحدائق وبساتين وأسواق، ونسأل: هل كانت الدولة الإسلامية تتكفّل بشيء من تكلفة ذلك!، لا!، وإنما كان الميسّرون وأهل الثراء منهم هم من يصنعون ذلك، وها هو عثمان بن عفان يقوم، خلال حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بأعمال الدولة، من توفير الماء العذب للجميع، وتوسيع المسجد النبوي، وتجهيز الجيش

 وكان من أهل المدينة المنورة فقراء أغناهم الله من خلال عملهم وسعيهم، وها هم أهل الصُّفَّة، أفقر أهل المدينة والذين كانوا يقيمون في مؤخرة المسجد ولا يكادون يجدون ما يستر عورتهم من الملابس، والذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بهم سائر المسلمين، وكان يعطف عليهم بين آونة وأخرى، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير حالتهم تغييرًا كليًا، فما الذي غيّر حالهم فيما بعد؟!، أمال الصدقة والزكاة؟!، لا!، ولا شيء سوى السعي واكتساب المال بأنفسهم، وإلا فكيف اغتنى "أبو هريرة" بعد حياة الفقر المدقعة التي كانت تضطره إلى وضع الحجر على بطنه من الجوع، وهو وسط أغنياء المسلمين وفيهم رسول الله!، وما الذي جعله يفخر بما آل إليه من ثراء في أخريات حياته؟

الإجابة: العمل ولا شيء غير العمل!، فبعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، استعمله "عمر بن الخطاب" على البحرين، فعاد منها وقد اغتنى يسيرًا، فشكّ فيه الفاروق، و"مِن أين لك هذا؟!"، وخشي أن يكون قد أساء استخدام نفوذ منصبه، فقال له أبو هريرة أن رأس ماله كان من نتاج اشتغاله بالتجارة في بلاد البحرين، وتقصَّى عمر بن الخطاب ما قاله بما عُرف عنه من حزم، فثبت له صدق أبي هريرة 

إذن فإذا خَربت تلك المدينة الإسلامية وطلب محافظها أن تعينه الدولة بالمال لكي يعيد بنائها وترميمها، وأجابه رئيس الدولة قائلاً:
حَصِّنْها بالعدل، ونقِّ طُرُقَها من الظلم، فإنّه مَرَمّتها
فهذه ليست كلمات مثالية، أي نعم، قد تصلح أن تكون زادًا للسخرية من قائلها على شبكات التواصل الاجتماعي لشهور وسنين، ولكن عمر بن عبد العزيز كان يدرك ما وراء كلماته هذه، لأنه قبل أن يقولها قال مؤكدًا:
قد فَهِمتُ كتابك!
والسؤال هنا، ما الذي فهمه؟!
فقد طلب المحافظ المال من خزينة الدولة ليصلح به خراب مدينته، من بناء حصون وشق طرق وغير ذلك، فأجابه الرئيس: حصّنها بالعدل ونقِّ الطرق من الظلم، وحسبك ذلك!
• 

لنتخيّل المشهد ..، ولكن لماذا نتخيّل!، لنعود إلى التجربة العملية، فقد سبق أن أرسل عمر بن عبد العزيز أحدهم ليكون محافظًا على مدينة الموصل، فلما ذهب إليهم وجد أن الحال في تلك المدينة لا يُسرَّ، وأنها في فوضى، وأن سمعة أهلها طافحة بأنهم أكثر الناس سرقة ونهبًا، فأحبّ المحافظ أن يأخذهم بالحزم البالغ ويشدّد عليهم ويأخذهم بالتهمة والظن ويطبّق قانون الطوارئ عليهم ليصلح حالهم، بما أن الأمر فشا بينهم، ولكنه كتب قبل ذلك يعرض حال ما وجد عليه مدينة الموصل إلى رئيسه، ويقترح أن يوافق على ما رآه من إجراءات التشدّد، فلم يجبه إلى ذلك رئيسه وأرشده إلى الصواب، وبعد سنوات حكى ذلك المحافظ تلك الحكاية، فقال:
لمّا ولاّني عمر بن عبد العزيز المَوْصِلَ، قَدِمْتُها فوجدتُها من أكثر البلاد سرقًا ونقبًا، فكتبتُ إلى عمر أُعْلِمه حال البلد، وأسأله: آخذ الناس بالظنّة وأضربهم على التهمة؟، أو آخذهم بالبيّنة وما جرت عليه السُّنَّة؟؛ فكتبَ إليَّ: "خذ الناس بالبيّنة وما جرَت عليه السُّنَّة، فإن لم يصلحهم الحقُّ فلا أصلحهم الله"؛ ففعلتُ ذلك، فما خرجتُ من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلّها سَرَقًا ونَقْبًا



إذن فقد أجاب عمر بن عبد العزيز على محافظ المدينة الخربة، بقوله: قد فهمت كتابك!، ثم أوصاه بالعدل والبعد عن الظلم بين الرعيّة، ولم يرسل مالاً أو عتادًا أو عمّالاً رغم أن المال كان وفيرًا في عهده وفائضًا عن الحاجة، ولكنه رأى بالتطبيق العملي أن المواطن العادي إذا أَمِنَ على نفسه وماله وأهله في ظلِّ نظام عادل، فسيتفرّغ لِما خُلق له من عمل، والعمل يدرُّ أموالاً، والأموال تبني الدور والمصانع، وتحفر الآبار، وتهيّأ الطرق، وتجلب العمّال، وتقيم لهم المستشفيات والمدارس لأولادهم، وهلم جرًّا، لأن صاحب هذا المال سيرغب قطعًا أن يعيش في بقعة يحبّ أن يستقرّ بها، وهذا الاستقرار يتطلّب أن يقوم بكل هذا العمران وأن ينشأ كذلك الحصون للدفاع عن تلك البقعة من المغيرين، وما دام قد أمنَ على رزقه وماله وأهله، فما الذي سيدفعه إلى مغادرة هذه البقعة المباركة بالعمل!

وهذه صورة مصغّرة لتخّيل الصورة العامة الكبيرة، فالحديث ليس عن إنسان واحد، بل أفراد وقبائل وجماعات ومهن وأفكار ومذاهب شتَّى، وفي القول المأثور أنه لو كنس كل أحد أمام بيته لغدا العالم كله نظيفًا، إذن جميعهم سيعملون ما هم مهيأون له، وجميعهم سيدرّ عملهم أموالاً أو فضلاً أو علمًا، وجميعهم سيجذبون الآخرين إلى محيطهم والقرب منهم والأخذ عنهم، وجميعهم سيريدون أن يعيشوا في حياة هانئة، وجميعهم سيشعرون بالامتنان نحو مدينتهم العادلة التي لا تحاربهم في رزقهم، ولا تصادره حسب هواها، والتي لا تضيّق عليهم في أفكارهم بالحبس والسجن، أو أموالهم فترهقهم بالضرائب الباهظة أو الإجراءات والقوانين العقيمة، والتي لا تغفل عن معدومي الضمير من عمّالها الذي يطلبون الرشوة جهارًا من أجل تيسير أعمالهم، وجميعهم خيرهم سيعمّ جميعهم، وجميعهم سيهيّأون الفرصة لآخرين وآخرين من بعدهم كي يعملوا ويكسبوا ويبنوا بدورهم البيوت والمساجد والمستشفيات، فمتى ما أمن الإنسان على نفسه وماله، أعطى أكثر وساهم أكثر وحاول أكثر أن يردّ الجميل لهذا المكان الذي رعى ثروته ونماها

ود. حسين مؤنس في كتاباته الإسلامية كرر كثيرًا أن الذي شقّ الطرق بين المدن وربط العالم الإسلامي بعضه ببعض، هم التجار والحجّاج، فطريق الحج وطريق القوافل التجارية هل التي شقّت تحت أقدامها الطرق التي تربط الدول الإسلامية ببعض، وهي التي أقامت على جوانب هذه الطرق ما يحتاج إليه التاجر والحاج، من خانات وأسبلة
 •

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأسارى المسلمين بقسطنطينية:
أما بعد، فإنكم تعدون أنفسكم أسارى ولستم أسارى. معاذ الله ! أنتم الحبساء في سبيل الله. واعلموا أني لست أقسم شيئاً بين رعيتي إلا خصصت أهلكم بأوفر ذلك وأطيبه. ولقد بعثت إليكم خمسةَ دنانير، خمسةَ دنانير. ولولا أني خشيت إن زدتكم أن يحبسه عنكم طاغية الروم لزدتكم. وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادي صغيركم وكبيركم، ذكركم وأنثاكم، حركم ومملوككم بما يُسأل، فأبشروا ثم أبشروا!


تأمّلوا!، مِن أجل أسرى المسلمين أرسل الرئيس الحريص على ألا يُصرف قرش من خزينة الدولة في التعمير أو البناء أو كسوة البيت، ويحاسب حسابًا شديدًا على ضياع دينار واحد من خزينة الدولة، ويقتصد غاية الاقتصاد في إعادة بناء المسجد المتهدّم (تخيّلوا لو كان مطلب أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بناءَ مسجد جديد في مكان ثان، ماذا كان سيكون ردّه!)، ذلك الرئيس ومن أجل ألا يُذلّ مسلمٌ وقع في يد دولة معادية، أرسل سفيرًا يحمل أمرًا واحدًا، أن يُخلِّصهم ويدفع فدية إطلاق سراحهم، مهما تكلّف الأمر من مال

والدولة المعادية ستعمل بكل تأكيد على إرهاق عدوّتها الأخرى بما لا يُطاق من الأموال قبل إجابتها إلى طلبها، والمال لم يكن يهمّ ذلك الرئيس الحريص عليه في غير ذلك الأمر، لذلك كتب إلى الأسرى أنه قال لسفيره أن يخلّصهم بأي مبلغ من المال، ودون مساومة، وإن سألت الدولة المعادية الملايين من أجل هذا الشأن، فالأمر إليه واضح: "بما يُسْأل"

وجميع ما قاله عمر بن عبد العزيز كان يخرج من مشكاة واحدة، فلا تناقض بين أي من أقضيته، فالإنسان مقدّم على العمران

فأبشروا ثم أبشروا!



Sunday, January 8, 2017

كتاب رخيص




هذا كتاب رخيص حقًا!، وهي ليست على اليقين معركة "أدبية"، بل محض استفزاز من الصحفي الناقد مؤلف هذا الكتاب، يتمثّل في مقدّمته الطويلة للحوار الأوّل في المنشور في المجلة، لأنها مقدمة طالت للغاية وهيّأت وضعًا وحالة خاصة لما يريد الصحفي الناقد قوله من فساد مذهب نزار قباني الشعري وترهّله، ثم وضع بعدها حواره مع نزار قباني بعد أن مهّد الطريق لإثبات ما يريد قوله أمام أمام ما حاول أن ينفيه نزار نفسه في الحوار!، لذلك كتب الأخير رسالة غاضبة إلى رئيس تحرير المجلة، بعد أن قرأ ما تعرّض له من خداع، لأن الصحفي الناقد لم يُعرض عليه المقدمة ولا نَص تفريغ الحوار، كما طلب منه نزار ذلك في البداية وقبل النشر حتّى، فكان مما قاله نزار لصاحب المجلة:

وواضح من تقديم الحوار بهذه الصورة الاستفزازية، أن مراسلكم يريد أن يلعب لعبة البطل حيث لا بطولة .. ولعبة الذكاء حيث لا ذكاء ..

وهذا كله كان من الممكن أن يتجنّب الصحفي الناقد توابعهما بالرد شخصيًا على رسالة نزار الوديّة التي أرسلها إليه من سويسرا، بدلاً من تجاهلها كليًا وكأنها لم تجيء كما قال، مما دفع نزار إلى القيام برد فعل غير محسوب ومراسلة رئيس تحرير المجلة ذاتها بهذه الرسالة الغاضبة المتسرّعة، وكان مما قاله فيها وهي الكلمة التي جلبت له كل سيل التنقّيص في هذا الكتاب والذي دارت أكثر الكلمات حولها، فهو عند حديثه عما جاء في تلك المقدمة المسمومة وعن أن الكاتب يريد أن يحقق بطولة لنفسه وأن يروّج اسمه بين الصحف والمجلات، ثم أغضبه أن يرميه الصحفي الناقد في مقدمته المطوّلة هذه (التي هي ضعف مساحة الحوار) بتهمة الشعوبية وكراهية جنس العرب وتحقيرهم ويسشهد بذلك بقصائد نزار، وهذا مما أغضب نزار حقًا فقال في رسالته لرئيس التحرير، أن هذا الشخص يقذف بتهمة الشعوبية ذات اليمين وذات اليسار، وقال أيضًا في سياق هذا في رسالته أنه حينئذ لا يتقبّل مثل هذا النصح من محرر أدبي:

لا يتورّع عن تغيير اسمه من "جوزيف" إلى "جهاد" .. ركوبًا لموجة الجهاد والمجاهدين، ولأنّ "عدة الشغل" تستلزم هذا التغيير

وهذا ما أثار طائفة واسعة من الكلمات الرخيصة ضد نزار وقف وراءها زملاء المهنة الصحافية، وأُتهم نزار فيها بأن قد سقط قناعه وظهر على طائفيته الممقوتة وحطّم بيده تاريخه الإنساني العام!، وذاك لأنّه عيّره باسمه "المسيحي" (!!) الذي غيّره لاسمه الحالي "جهاد" حين بدأ الكتابة في الصحف - رغم أن هذا كما هو واضح ليس معنى كلام نزار، فهو كان يقصد المفارقة الكامنة في توجيه الاتهام إليه بالشعوبية من قبل شخص اسمه ليس بعربي!، لم يقصد أن يلعب لعبة الطائفية هنا، ثم هل تعلمون كيف كان ردّ "جهاد" نفسه على هذا السطر؟!، وهذا من المضحك المبكي حقًا، فقد قال:

ليس ظاهرة شاذة أن يقع خيار قلم على اسم جهاد، بل الظاهرة الشاذة أن يختار لنفسه اسمًا من غياهب التاريخ المنقرض، مثل "أدونيس" أو "قدموس" أو من تجارب الشعوب الأخرى مثل "لينين"، فالأصل بنظرنا أن يختار الكاتب اسمًا أدبيًا، إذا شاء أن يكون له اسم أدبي، من تاريخ البلد وظروفه، لا من تاريخ وظروف بلد آخر


هذا مما يصدق فيه حقًا المثل الشعبي "جاء يكحلها فأعماها!" وتعريضًا رخيصًا بدوره لأدونيس، ثم وبين كل الكلمات الرخيصة الأخرى الكثيرة التي كيلت جزافًا ضد نزار قباني من الكثيرين في هذا الكتاب وكل كلمات "يا عيب الشوم" التي وُجّهت لنزار هنا، وكل الاتهامات السخيفة الأخرى (كانتحاله لشعر غيره ودفعه لمقابل ذلك، في قضية شهيرة قرأتها قديمًا وردّ عليها نزار حينذاك ردًا مفحمًا)، فلعلّ "أعقل" كلمة قيلت في هذه المعركة في ملحقات الكتاب، والتي لم تنحدر كالآخرين في هذا المستنقع الآسن، هي تعليق د. ميشال جحا، عن رأيه في هذه اللا معركة واللا نقد، وما قاله في نهاية تعليقه الجميل والمهذّب عمّا حدث بين الأثنين:

نحن مع الشاعر، ويجب ألا نسيء الظن به ولا بالناقد، ولكن لا يجوز أن أن يتحوّل هجاء الأمّة إلى هجاء شخصي بين الشاعر والناقد، أما الأسماء المستعارة فهي شيء معروف ومألوف عند الكتّاب والشعراء في الشرق والغرب، ..، وليست الأسماء هي المهمة، أما الضرر كل الضرر فهو "بالوجوه المستعارة"


بلى!، نحن مع الشاعر وقبل ذلك مع الشعر، والذي أضحكني حقًا هو المحاولة الثانية للصحفي الناقد لردّ دفاع نزار عن نجاح رسالة شعره باستقبال الجمهور الناجح له وهو يلقيه أمامهم في أمسية شعرية قاهرية اتسعت لخمسة آلاف مستمع "عربي" أخذتهم الحماسة حين إلقاءه الشعر، فهذا كان في رأي نزار مقياسًا ناجحًا أمام نظريات نقد الشعر ورسالة الشعر وإتهاماته بالشعوبية، فكان ردّ جهاد فاضل على هذه النقطة وعلى صفحات المجلة التي شهدت هذه الأحداث:

هذا النجاح بنظرنا قابل للتفسير، الجمهور يصفق أحيانًا لنزار دون أن يستوعب ما يلقيه عليه الشاعر، ففي اعتقاده أنه ينقل إليه ما لقيه مع ليلى وسوزان ودعد، ثم أن جمهور القاهرة متعطش لكل ما هو عربي، والجمهور لن يدقق في هذا الذي سمعه تلك الليلة من نزار، ولذلك ننتظر أن يكون لنزار استقبال جماهيري مختلف في المرة القادمة سواء في القاهرة أو سواها، ولكننا نذكّره بالمناسبة بما لقيه من فشل مهرجان المربد الشعري السادس عندما طلب فجأة أن يلقي شعرًا في أمسية كانت مخصصة للشاعر محمود درويش، وقد توقّع الجميع ليلتها، بعد الذي أصابه، أن يكف نهائيًا لا عن اعتلاء المنابر، بل عن قول الشعر أصلاً، ولكن الرجل ما زال يكابر ويراهن على الهجاء وغباء الآخرين


ألا، أنه مما يُحمد لنزار عدم تماديه في هذه الخصومة غير الشريفة، فكانت أوّل وآخر كلمة منه هي رسالته الآنفة إلى رئيس التحرير في بداية الأحداث، ولم يأت بعدها بجديد يتصل بهذه الخصومة، وأحسن بذلك في الابتعاد عن هذه "المعركة" التي أذكاها الصحفي كما ترون، ثم جمع أوراق معركته وطبعها في كتاب مكتنز الصفحات اختار له عنوانًا تحقيريًا مثل: "فتافيت شاعر"، ووضع صورة الشاعر ممزّقة على الغلاف

وكما قلتُ، هذا كتاب رخيص!