Showing posts with label خواطر. Show all posts
Showing posts with label خواطر. Show all posts

Friday, January 20, 2017

الشعر فن جميل


في ديوان حافظ إبراهيم، بيتان، كُتب عندهما:
"قال هذين البيتين مرتجلاً عندما تولّى (نجيب الهلالي بك) وكالة المعارف للتعليم الفني والفنون الجميلة، سنة 1929"
وهذان البيتان:
أضحى (نجيبٌ) وكيلاً        لنا، ونَعْمَ الوكيلُ 
 فَلْيَنْعَمِ الشِّعْرُ بالاً       فالشِّعْرُ فَنٌّ جَمِيلُ

وحافظ كان آنذاك يعمل في دار الكتب المصرية، وهي تابعة لوزارة المعارف بصفة عامة، وإن كان قسم التعليم الفنّي  الذي عُيّن الهلالي وكيلاً عليه بعيدًا كل البعد عن المنصب الذي يشغله حافظ إبراهيم كرئيس للقسم الأدبي بدار الكتب، وبعيدًا كل البعد كذلك عن كل ما يتصل بالأدب والشعر في شئون الوزارة، فقسم التعليم الفني والفنون الجميلة كان يشرف على"مدرسة الفنون الجميلة" التي أُنشئت عام 1908 في مصر، والتي كانت لا تخرج عن التخصصات الأربعة: النحت والتصوير والزخرفة والعمارة، أي أن وكالة الهلالي للتعليم الفني والفنون الجميلة قاصرة على إشراف الوزارة في هذه التخصصات الفنيّة وحسب ولا تتعداها، ولكن لتقدير حافظ لشخصية نجيب الهلالي وما عُرف عنه من نزاهة ووطنية صادقة جعلته يقول هذين البيتين، ويرى أنه ما دام الشعر فنًا جميلاً، فأن نجيب الهلالي بوكالته على الفنون الجميلة قد أضحى وكيلاً على الشعر أيضًا

ولا أدري هل كان يدري حافظ أن هذا التعريف الواسع للفنون الجميلة كان يُعمل به في الغرب، أم قال ذلك دون اتفاق، فعندما ترجم الدكتور الطاهر أحمد مكي، كتاب المستشرق الألماني فون شاك: "شعر العرب وفنهم في إسبانيا وصقلية"، آثر أن يقسّم الكتاب إلى جزئين، الشعر، والفن، وأن يطبعهما منفصلين دون كتابة "الجزء الأول" أو "الثاني" على غلاف أيهما، ولكن مع الإشارة إلى ذلك في المقدمة، وبرّر هذا:
ذلك لأن العالِم الألماني يزاوج بين الشعر والرسم، يأخذ من الثاني للأول، ويستشهد بهذا على سابقه، لما بين الفنَّين، أو الفرعيْن من الفن إذا شئتَ، مِن وشائج وصلات، ومِن هنا فإن أحد الكتابين يكمل الآخر فكرةً وموضوعًا
ولكن صنيع د. مكي منعني أن أشعر بالدهشة الأولى وقتذاك، وجعلها تتأخّر قليلاً إلى أن طالعت كتابًا مرجعيّا (Textbook) عن الفنون، كتابًا واحدًا ضمّ بين دفتيه تاريخ ومذاهب الرسم، والنحت، والتصوير، والعمارة، والأدب، والدراما، والرقص، والموسيقى، معتبرًا إياهم جميعًا "فروعًا" من شجرة الفن،  حسب التعريف الموسوعي للفن، الذي يعرّفه بأنه "المتنفّس التعبيري للإنسان عن ثقافته"

إنها دهشة أولى أن أرى حديث الرسم والألوان والنحت والعمارة يجاور حديث الاستعارة والرمز والتشبيه والعَروض في الشعر، وهذا جعلني أدرك أكثر معنى استخدام الأدوات التي نملكها من أجل أن يُنجز العمل، وكلمة "العمل" على جفافها هي ما تُطلق على أيِّ مُنْجَز، وهيهات أن أقلل بذلك من دور الموهبة، فهي تأتي أولاً، وهي الأداة الأولى، ولولا موهبة الفنّان (بالمعنى الواسع لكلمة الفن) لما توجّه لدراسة بقيّة أدوات صنعته، فرسم اللوحة: حرفة، والنحت: حرفة، وعزف مقطوعة: حرفة، وكتابة قصيدة: حرفة، وإن بدا هذا تحقيرًا من شأن الفن، ولكن المثل يقول إنه إذا جُمع جميع الرجال العظام في التاريخ فلن يشغلوا سوى غرفة واحدة، فالدراسة إذن سيلجأ إليها أصحاب الموهبة وغيرهم، على سواء، لأنها متاحة للجميع، ولقد سار وراء دافنشي العشرات من التلامذة يقتبسون من فنّه، ولم يبرز منهم سوى أقل القليل، ولكن مَن برزَ منهم نضجت موهبته على يد أستاذه العظيم، ومن كان موهوبًا ولم يسر وراء معلِّم قدير، فقد تبقّتْ موهبته فجّةً وغير يانعة، فيها لمحات من الموهبة، نعم!، ولكن مَن سيشاهدها أو يسمعها أو يقرأها سيردّد دائمًا بينه وبين نفسه: "آه لو استكمل هذا الفنّان أدوات فنّه!"

وحتّى قبل أن يعرف العرب علم العَروض بشكل متكامل ومنهجي على يد الخليل بن أحمد، كانوا "يعلّمون" أولادهم الشعر عن طريق الدرس والتعليم، لا المحاكاة وحسب، ويُروى عن الخليل في قصة استنباطه لعلم العَروض، أنه لما وفد المدينة المنورة حاجّا في طريقه إلى مكة استرعى نظرَه شيخٌ أقبل على فتى يلقنه: "نعم لا نعم لا لا - نعم لا نعم لا لا - نعم لا نعم لا لا - نعم لا نعم لا لا"، فقال له الخليل: "ما هذا الذي تقول لفتاك؟"، فقال الشيخ: "علم يتوارثونه عن السلف يقال له: التنعيم"، فقال الخليل معقبًا إثر حكايته لتلك القصة: ".. فأحكمتُها بعدُ"، أي قد حكمَ شروط هذا العلم المتوارث من السلف، ثم وضع له أسسه والقواعد التي يقوم عليها، فكان علم العَروض، وكان الخليل بن أحمد حلقة واحدة في سلسة متصلة من أقرانه


فهو حديث خرافة وقول ضلال، ذاك الذي يقول أنّ دراسة صنعة الفنّ تقتل الموهبة وتحجّر الخيال، فهذا افتراض لا نصيب له من الصحة، وفتِّش فلن تجد فنانًا "مقطوعًا من شجرة"!، بل ستجده في أحاديثه ذا نظرات ثاقبة في الكثير من أعلام ومذاهب ومدارس فنّه، وأحسب أنه متى ما تحرّكتْ الموهبة في البدن وأعلنت على وجودها، كلما حرّكت في صاحبها الحاجة إلى إشباعها، وإشباعها ذاك لا يتأتّى إلا بالنهل من موارد روّاد هذه الموهبة السابقين والسير على آثارهم حينًا من الدهر، وهذا هو ما يُسمّى بالتعلّم، وكأنّ حركة تلك الموهبة تدفع صاحبها دفعًا يراه لا إراديًا، كي ينتظم في سلك التاريخ مع أقرانه، ففي هذا العالم البديع لم يُخلق شيءٌ وحدَه فردًا، بل: "وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ"

وأسوأ الكوابيس قد تتحقق، فقد يولد المرؤ مع موهبة مضطرمة بين جوانحه، ثم يجد أن سبيل التعلّم الذي سلكه لصقلها قد أطفأها!، لأنه لا نار دون دخان، فجميع هذه الأقوال التي قيلت عن التحجّر الذي يأتي إثر التعليم تتكأ على حقائق ملاحظة وواقع معاش، ولكنها الاستثناء الذي يدعم القاعدة، وشوقي يقول في مسرحية قمبيز، بيتًا جميلاً يجسّد هذا الاستثناء:
إنَّ وَرْدَ السَّلْمِ من كثرته
        ِنسيتْ أظفارَها فيه الأسودْ
أي أن طول عهد السلام جعل الجيش الباسل يركن إلى الراحة والدعة، فسُهلت هزيمته وكسره عند المواجهة التالية، أو كما قال توفيق الحكيم:
كثير من الناس يعيشون طويلا في الماضي، والماضي منصة للقفز لا أريكة للاسترخاء
وكذا فإن كثرة الإغراق في المادة النظرية وتقليد السابقين، سيجعل المرؤ ذو الموهبة يركن إلى هذه الراحة التي وجدها وسط النظريات، ويسترخى عندها، لأنه سيكون مطئمنًا أن في جعبته الكثير من النظريات حول إنجاز العمل، وهي جميعها نظريات ناجحة، ود. محمد عناني خلال حديثه عن فن الترجمة حاول أن لا يكثر من ذكر نظريات الترجمة والإسراف في ذكر مناهجها، وكان هدفه الدائم هو التطبيق ثم التطبيق، ثم الحركة الدائبة في الترجمة، وحكى عن صديقه الذي كان لا يفتأ أن يحدّثه بآخر النظريات الجديدة في الترجمة، وأبدى د. عناني تعجّبه، لأن صديقه هذا كان من أقلّ الناس عملاً في الترجمة ذاتها، وكأنَّ الامتلاء بالنظريات المجرّدة يطغي على حركة التطبيق، فالحركة في العمل هي ما تجعلك تواجه المشكلات – ولا بد من ذلك – ثم ستهتدي – ولا شك – إلى طرق لمجابهتها أو الدوران حولها حتّى، ومن خلال هذه الحركة سيقف الفنّان في مكانه الشاغر في دورة الزمن والتاريخ، وغير ذلك فلن ينفعه طول ما حصّله من تعلّم في حياته، وربما سيجلّس متحسرًا في أخريات حياته ويقول مثلما قالَ مَن سبقه واكتشف هذا الأمر مثله بعد فوات الأوان:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه: قيلَ وقالوا

Wednesday, January 11, 2017

من فرائد الجمهرة - 2




كتبَ إلى عمر بن العزيز عاملُه بالمدينة (بمثابة المحافظ الآن) أن يُصرف له من مال الدولة ثمن الشمع الذي يُستضاء به حين الخروج إلى صلاة العشاء والفجر، وقال له في رسالته أنه كان يُقطع من بيت المال لمَن أمسكوا من قبل منصبه هذا، ثمن هذا الشمع، وعندما أطلع عمر بن عبد العزيز على رسالته، رفض أن يصرف من بيت المال قيمة هذا البدل لرجال الدولة، وكتبَ إلى ذلك "المحافظ:
قد عهدتُكَ وأنت تخرج من بيتك في الليلة المظلمة الماطرة الوَحِلة بغير سراج، ولَعَمري لأنتَ يومئذٍ خيرٌ منكَ اليومَ .. والسلام
وفي رواية ثانية:
فارضَ لنفسك اليومَ ما كنتَ ترضَى به قبل اليوم
ثم كتب إليه ذلك المحافظ نفسه، أن:
سلامٌ عليكَ، أما بعدُ، فإنّ بني عَدِيّ بن النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، انهدم مسجدهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لهم ببنائه فليفعل
فأجابه عمر بن عبد العزيز بكتابٍ منه يقول فيه:
كنتُ أحبُّ أن أخرج من الدنيا ولم أضع حجرًا على حجر ولا لَبِنةً على لبنة، فإذا أتاك كتابي هذا فابْنِه لهم بلَبِنٍ بناءً قَصْدًا (أي مقتصدًا في تكاليفه)، والسلام عليك
هذا في شأن بناء مسجد أخوال الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم كتب إليه عامل ثانٍ على مدينة أخرى:
أما بعدُ، فإنّ مدينتنا قد خَرِبت، فإن يَرَ أميرُ المؤمنين أن يقطعَ لنا مالاً نَرِمُّها به، فَعَلَ!
فكتب إليه عُمر بن عبد العزيز:
أما بعدُ، فقد فَهِمتُ كتابك، وما ذكرتَ من أن مدينتكم قد خَرِبَت، فإذا قرأتَ كتابي هذا: فَحَصِّنْها بالعدل، ونقِّ طُرُقَها من الظلم، فإنّه مَرَمّتها، والسلام
وفي الحجّ كُتب إليه أن يأمر للبيت الحرام بكسوة جديدة، مثلما كان يفعل سلفه من قبل حين حلول موسم الحج، فكتب إليهم عمر بن عبد العزيز:
إنِّي رأيتُ أن أجعل ذلك في أكبادٍ جائعةٍ، فإنَّه أولى بذلك من البيت
 •

إنها أولويات، فترميم المساجد، وإنارة الطرقات وإصلاحها، وتعمير المدن، وبناء الحصون، وتوسيع الحرم المكّي، وتغيير كسوة البيت الحرام، كل ذلك في سُلَّم أولويات رئيس الدولة يقع على آخر الدرجات، فالدولة ليست مطالبة بتوفير إحتياجات المواطنين، فهذا أدعى للتواكل الكاذب والتدافع بالمناكب والأقدام أمام طوابير أي مشروع أو خدمة عامة أو توفير سلع تعلن الدولة عنها بأسعار مدعومة أو شروط ميسّرة، لأن ساكن الدولة هو الذي يعمّرها، وهو وحده المكُلَّف بالعمل والسعي وبناء أو شراء أو استئجار مسكنه وشراء كافة احتياجاته، فهذا جزء من رحلة الحياة، وأقصد بساكنها هو المواطن العادي مثلي ومثلك، وإن عدنا إلى ما نعتبره – نحن المسلمين – المدينةَ الفاضلة، وهي فترة إقامة النبي عليه الصلاة والسلام للمدينة، وإقامته لأول مجتمع مسلم عليها تحت إرشاده ورعايته، ثم ننظر إلى ما كان يُعمّر في المدينة من مساجد وحفر آبار وحدائق وبساتين وأسواق، ونسأل: هل كانت الدولة الإسلامية تتكفّل بشيء من تكلفة ذلك!، لا!، وإنما كان الميسّرون وأهل الثراء منهم هم من يصنعون ذلك، وها هو عثمان بن عفان يقوم، خلال حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بأعمال الدولة، من توفير الماء العذب للجميع، وتوسيع المسجد النبوي، وتجهيز الجيش

 وكان من أهل المدينة المنورة فقراء أغناهم الله من خلال عملهم وسعيهم، وها هم أهل الصُّفَّة، أفقر أهل المدينة والذين كانوا يقيمون في مؤخرة المسجد ولا يكادون يجدون ما يستر عورتهم من الملابس، والذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بهم سائر المسلمين، وكان يعطف عليهم بين آونة وأخرى، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير حالتهم تغييرًا كليًا، فما الذي غيّر حالهم فيما بعد؟!، أمال الصدقة والزكاة؟!، لا!، ولا شيء سوى السعي واكتساب المال بأنفسهم، وإلا فكيف اغتنى "أبو هريرة" بعد حياة الفقر المدقعة التي كانت تضطره إلى وضع الحجر على بطنه من الجوع، وهو وسط أغنياء المسلمين وفيهم رسول الله!، وما الذي جعله يفخر بما آل إليه من ثراء في أخريات حياته؟

الإجابة: العمل ولا شيء غير العمل!، فبعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، استعمله "عمر بن الخطاب" على البحرين، فعاد منها وقد اغتنى يسيرًا، فشكّ فيه الفاروق، و"مِن أين لك هذا؟!"، وخشي أن يكون قد أساء استخدام نفوذ منصبه، فقال له أبو هريرة أن رأس ماله كان من نتاج اشتغاله بالتجارة في بلاد البحرين، وتقصَّى عمر بن الخطاب ما قاله بما عُرف عنه من حزم، فثبت له صدق أبي هريرة 

إذن فإذا خَربت تلك المدينة الإسلامية وطلب محافظها أن تعينه الدولة بالمال لكي يعيد بنائها وترميمها، وأجابه رئيس الدولة قائلاً:
حَصِّنْها بالعدل، ونقِّ طُرُقَها من الظلم، فإنّه مَرَمّتها
فهذه ليست كلمات مثالية، أي نعم، قد تصلح أن تكون زادًا للسخرية من قائلها على شبكات التواصل الاجتماعي لشهور وسنين، ولكن عمر بن عبد العزيز كان يدرك ما وراء كلماته هذه، لأنه قبل أن يقولها قال مؤكدًا:
قد فَهِمتُ كتابك!
والسؤال هنا، ما الذي فهمه؟!
فقد طلب المحافظ المال من خزينة الدولة ليصلح به خراب مدينته، من بناء حصون وشق طرق وغير ذلك، فأجابه الرئيس: حصّنها بالعدل ونقِّ الطرق من الظلم، وحسبك ذلك!
• 

لنتخيّل المشهد ..، ولكن لماذا نتخيّل!، لنعود إلى التجربة العملية، فقد سبق أن أرسل عمر بن عبد العزيز أحدهم ليكون محافظًا على مدينة الموصل، فلما ذهب إليهم وجد أن الحال في تلك المدينة لا يُسرَّ، وأنها في فوضى، وأن سمعة أهلها طافحة بأنهم أكثر الناس سرقة ونهبًا، فأحبّ المحافظ أن يأخذهم بالحزم البالغ ويشدّد عليهم ويأخذهم بالتهمة والظن ويطبّق قانون الطوارئ عليهم ليصلح حالهم، بما أن الأمر فشا بينهم، ولكنه كتب قبل ذلك يعرض حال ما وجد عليه مدينة الموصل إلى رئيسه، ويقترح أن يوافق على ما رآه من إجراءات التشدّد، فلم يجبه إلى ذلك رئيسه وأرشده إلى الصواب، وبعد سنوات حكى ذلك المحافظ تلك الحكاية، فقال:
لمّا ولاّني عمر بن عبد العزيز المَوْصِلَ، قَدِمْتُها فوجدتُها من أكثر البلاد سرقًا ونقبًا، فكتبتُ إلى عمر أُعْلِمه حال البلد، وأسأله: آخذ الناس بالظنّة وأضربهم على التهمة؟، أو آخذهم بالبيّنة وما جرت عليه السُّنَّة؟؛ فكتبَ إليَّ: "خذ الناس بالبيّنة وما جرَت عليه السُّنَّة، فإن لم يصلحهم الحقُّ فلا أصلحهم الله"؛ ففعلتُ ذلك، فما خرجتُ من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلّها سَرَقًا ونَقْبًا



إذن فقد أجاب عمر بن عبد العزيز على محافظ المدينة الخربة، بقوله: قد فهمت كتابك!، ثم أوصاه بالعدل والبعد عن الظلم بين الرعيّة، ولم يرسل مالاً أو عتادًا أو عمّالاً رغم أن المال كان وفيرًا في عهده وفائضًا عن الحاجة، ولكنه رأى بالتطبيق العملي أن المواطن العادي إذا أَمِنَ على نفسه وماله وأهله في ظلِّ نظام عادل، فسيتفرّغ لِما خُلق له من عمل، والعمل يدرُّ أموالاً، والأموال تبني الدور والمصانع، وتحفر الآبار، وتهيّأ الطرق، وتجلب العمّال، وتقيم لهم المستشفيات والمدارس لأولادهم، وهلم جرًّا، لأن صاحب هذا المال سيرغب قطعًا أن يعيش في بقعة يحبّ أن يستقرّ بها، وهذا الاستقرار يتطلّب أن يقوم بكل هذا العمران وأن ينشأ كذلك الحصون للدفاع عن تلك البقعة من المغيرين، وما دام قد أمنَ على رزقه وماله وأهله، فما الذي سيدفعه إلى مغادرة هذه البقعة المباركة بالعمل!

وهذه صورة مصغّرة لتخّيل الصورة العامة الكبيرة، فالحديث ليس عن إنسان واحد، بل أفراد وقبائل وجماعات ومهن وأفكار ومذاهب شتَّى، وفي القول المأثور أنه لو كنس كل أحد أمام بيته لغدا العالم كله نظيفًا، إذن جميعهم سيعملون ما هم مهيأون له، وجميعهم سيدرّ عملهم أموالاً أو فضلاً أو علمًا، وجميعهم سيجذبون الآخرين إلى محيطهم والقرب منهم والأخذ عنهم، وجميعهم سيريدون أن يعيشوا في حياة هانئة، وجميعهم سيشعرون بالامتنان نحو مدينتهم العادلة التي لا تحاربهم في رزقهم، ولا تصادره حسب هواها، والتي لا تضيّق عليهم في أفكارهم بالحبس والسجن، أو أموالهم فترهقهم بالضرائب الباهظة أو الإجراءات والقوانين العقيمة، والتي لا تغفل عن معدومي الضمير من عمّالها الذي يطلبون الرشوة جهارًا من أجل تيسير أعمالهم، وجميعهم خيرهم سيعمّ جميعهم، وجميعهم سيهيّأون الفرصة لآخرين وآخرين من بعدهم كي يعملوا ويكسبوا ويبنوا بدورهم البيوت والمساجد والمستشفيات، فمتى ما أمن الإنسان على نفسه وماله، أعطى أكثر وساهم أكثر وحاول أكثر أن يردّ الجميل لهذا المكان الذي رعى ثروته ونماها

ود. حسين مؤنس في كتاباته الإسلامية كرر كثيرًا أن الذي شقّ الطرق بين المدن وربط العالم الإسلامي بعضه ببعض، هم التجار والحجّاج، فطريق الحج وطريق القوافل التجارية هل التي شقّت تحت أقدامها الطرق التي تربط الدول الإسلامية ببعض، وهي التي أقامت على جوانب هذه الطرق ما يحتاج إليه التاجر والحاج، من خانات وأسبلة
 •

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأسارى المسلمين بقسطنطينية:
أما بعد، فإنكم تعدون أنفسكم أسارى ولستم أسارى. معاذ الله ! أنتم الحبساء في سبيل الله. واعلموا أني لست أقسم شيئاً بين رعيتي إلا خصصت أهلكم بأوفر ذلك وأطيبه. ولقد بعثت إليكم خمسةَ دنانير، خمسةَ دنانير. ولولا أني خشيت إن زدتكم أن يحبسه عنكم طاغية الروم لزدتكم. وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادي صغيركم وكبيركم، ذكركم وأنثاكم، حركم ومملوككم بما يُسأل، فأبشروا ثم أبشروا!


تأمّلوا!، مِن أجل أسرى المسلمين أرسل الرئيس الحريص على ألا يُصرف قرش من خزينة الدولة في التعمير أو البناء أو كسوة البيت، ويحاسب حسابًا شديدًا على ضياع دينار واحد من خزينة الدولة، ويقتصد غاية الاقتصاد في إعادة بناء المسجد المتهدّم (تخيّلوا لو كان مطلب أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بناءَ مسجد جديد في مكان ثان، ماذا كان سيكون ردّه!)، ذلك الرئيس ومن أجل ألا يُذلّ مسلمٌ وقع في يد دولة معادية، أرسل سفيرًا يحمل أمرًا واحدًا، أن يُخلِّصهم ويدفع فدية إطلاق سراحهم، مهما تكلّف الأمر من مال

والدولة المعادية ستعمل بكل تأكيد على إرهاق عدوّتها الأخرى بما لا يُطاق من الأموال قبل إجابتها إلى طلبها، والمال لم يكن يهمّ ذلك الرئيس الحريص عليه في غير ذلك الأمر، لذلك كتب إلى الأسرى أنه قال لسفيره أن يخلّصهم بأي مبلغ من المال، ودون مساومة، وإن سألت الدولة المعادية الملايين من أجل هذا الشأن، فالأمر إليه واضح: "بما يُسْأل"

وجميع ما قاله عمر بن عبد العزيز كان يخرج من مشكاة واحدة، فلا تناقض بين أي من أقضيته، فالإنسان مقدّم على العمران

فأبشروا ثم أبشروا!



Friday, December 16, 2016

عندما قال الإمام مالك: لا أدري!









تذكرت ما رويَ عن الإمام مالك، رحمه الله، عن كثرة ترديده لكلمة: "لا أدري!"، أو "لا أحسن!"، والتي منها أن رجلاً غريبًا أتى إليه بمسألة حمّلها إياها قومه، وعندما أتى الرجلُ الإمامَ قال له قبل أن يسأل مسألته أنه قد أتاه من مسيرة ست أشهر ليسأله هذا السؤال، ثم ألقى سؤاله، فقال له الإمام مالك:
لا أدري!
 فقال له الرجل متعجبًا:
أيُّ شيءٍ أقولُ لأهل بلدي إذا رجعتُ إليهم؟!
 فقال له الإمام:
قلْ لهم، قال مالك: لا أدري!

وصفحات تراجم كبار فقهاء المسلمين تكاد تفيض بهذه المواقف المماثلة، وبكثرة قولهم "لا أدري"!، وهنا قرأت على موقع شبكة الألوكة بحثًا صغيرًا عنوانه: "معنى قول الائمة: لا أدري"، لمحمود شعبان، تعجّب فيه من هذه القصص المتواترة عن الإمام مالك:

فليس من المعقول أن يُسأل الإمام عن (40) أو (100) مسألة، فلا يعرف إجابة (90%)  منها، وهو مَن يشار إليه، وقد ملأ الدنيا علمًا وفهمًا وفقهًا، والأئمة يذكرون هذه الحكايات في توقِّي مالك عن الفتوى إلا فيما يحسنه ويعلمه، ويعدُّونه من فضائل الإمام رحمه اللَّه.


ثم ينتهي إلى القول:

والأقرب أن عدم معرفة مالك أو غيره من الأوائل الإجابة عن الأسئلة، ليس لعجزه عن التكلم فيها برأي، فالكثير يستطيع الكلام في أغلب أو كل المسائل برأي ..

ولكن والله أعلم عدم معرفة مالك الإجابة، يعني عدم حفظه لأثر عمن سبق في ذلك؛ لأنهم كانوا يعتمدون غالبًا على الأثر (قرآن، سنة، قول صاحب، قول تابع)، ويعزفون عن الرأي.

فقد كان مالك رحمه الله يقول: «ينبغي للعالم أن يألف فيما أَشْكل عليه قول: لا أدري؛ فإنه عسى أن يهيَّأ له خير». وقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي». وقال: «الملائكة قد قالت: {لا علم لنا} [البقرة: 32]»


وعقّب أحدهم مؤيدًا صاحب هذا البحث ، ونقل له ما قرأه في كتاب إعلام الموقعين، لابن القيم، وقال إن ابن القيم في كتابه استقصى هذه المسألة، إلى أن أجملها في قوله:

قد يتوقف في الفتوى؛ لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين


ولكن الطريف في الأمر، إنه لم يُنقل إلينا قط فيما أعلم أيُّ من تلك المسائل التي ردّ الأئمة فيها بقولهم لا أدري!، ولا أدري إذا كان هذا تأدبًا من أصحابهم الذين نقلوا عنهم هذه المواقف، لأننا نعلم ويعلمون ما الذي سيحدث إن نقلوا لنا هذه المسائل غير المجابة: سيتلقفها ضمن من سيتلقفها: المُناوِئون والمغرضون وحديثو الدخول في طلب العلم وأنصاف الفقهاء، وكل مَن هبّ ودبّ، وسيسطرون الرسائل الطوال في حلّ هذه المسألة غير المجابة من إمام أهل المدينة، فأي فخر في إجابتهم على سؤال قال فيه الإمام مالك: لا أدري!، بينما هم الذين يدرون!

فذكرها كان سيفتح بابًا للمراءاة، ومَن يدري، فربما إن وُجدت الصحافة الصفراء في ذلك العهد فستخرج لتقول كيف جعلتم على رأس الفتيا ذلك الرجل الذي لا يفتأ عن ترديد كلمة" لا أدري"! وسيعدّونها من المضحكات المبكيات في ذلك العصر الأسود الذي تُعطى فيه المناصب لغير أصحابها الجديرين بها!

ولكن فوق هذا كله، فإنَّ انتشار هذه المواقف عن الائمة يرجع إلى كثرة إلحاح الناس عليهم لأن يقولوا برأيهم في تلك المسائل وهم يرفضون ويتحرّجون من إبداء رأي، والنظر لهذه المواقف من زاوية أخرى يقول أن هؤلاء الأئمة الأعلام أفراد معدودون وسط جم غفير، أي أن الناس اعتادت أن تسأل أنصاف الفقهاء والقضاة والمفتيين عن أرائهم في تلك المسائل القلقة، وأعتادوا أن يسمعوا منهم آرائهم المجردة فيها وإن لم يُثبت في ذلك أثر صحيح، ولم يألفوا أن يسمعوا من أولئك الأنصاف كلمة: لا أدري، أو لا أعلم أو لا أحسن، ولذلك تعجّبوا عندما سمعوها من كبار الأئمة!، فهذا شيء غير معتاد، وآية ذلك الاهتمام منهم بتدوين جميع تلك الحكايات عن المواقف التي قالوا فيها: لا أدري!، فإن كان هذا ديدن الجميع في عصرهم لما كان في موقف أولئك الأئمة أمام كلمة "لا أدري" ما يُستدعى التدوين والرواية!

وهذا في كل عصر مرة ثانية، حتى عصر الصحابة، فقد روي أن رجلاً دخل المسجد يوماً فقال للحضور:
أفيكم مفتٍ؟
فقالوا مبتدرين الإجابة:
 سل!
فقال الرجل:
إني أجد الماء بعد الماء كلما تبولت
فقالوا له:
الذي منه الولد؟
قال:
الذي منه الولد!
قالوا جميعاً:
لا نرى لك إلا أنه يجب عليك الغسل
 أي كلما تبول الرجل وجب عليه الغسل وفي هذا مشقة كبيرة، وكان ابن عباس رضيَ الله عنه يصلي في ذلك المسجد، فسمع الرجل وسمع الإجابة، فعجل في صلاته، ثم نادى الرجل، وقال له:
أتجد شهوة في فرجك؟
فقال الرجل:
لا!
قال:
أتجد خدراً في جسدك؟
فقال الرجل:
لا!
قال:
إنما هي بردة (أي: برد أصابك) يكفيك منه الوضوء وأن تغسل المذاكير
ثم قال:
لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد!




فابن عباس هو أحد هؤلاء الأئمة الكبار الأفذاذ، ومنذ مراهقته الأولى ظهر عليه ذلك النبوغ وسط الصحابة، فالطبري يروي في تفسيره لسورة النصر قال أن عمر بن الخطاب كان يُدني إليه ابن عباس لما يرى من نبوغه وعلمه، ولما كان يرى فيه أثر دعوة النبي عليه الصلاة والسلام عندما ربّت على كتفيه وقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، ولاحظ القوم هذه المحاباة من الفاروق لابن عباس، فأحبّ أن يريهم مثله أثر الدعوة المجابة في هذا المراهق الصغير، فسألهم وهم جماعة من أكابر قريش عن معنى ما جاء في سورة النصر: "إذا جاء نصر الله والفتح"، فقالوا له: "هي فتح المدائن والقصور!"، فتركهم والتفت إلى ابن عباس وقال له: "فأنت يا بن عباس؟"، فقال ابن عباس الصغير سنًا وسط أولئك الشيوخ: "مثلٌ ضُرب لمحمد صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه"، فقال له عمر بن الخطاب مؤيدًا: "ما أعلمُ منها إلا مثل ما تعلم"، ولا أدري ماذا كان عمر ابن عباس وقتذاك، ولكن عمر بن الخطاب قُتِلَ وابن عباس في السادسة عشرة من عمره أو ما يقارب ذلك
º



إذن فجموع الناس واحدة في كل عصر، فلا معنى للقول أن هذا عصر غريب أصبح كلٌ من فيه يفتي على هواه، فالعصر، كل عصر بريء، ولكن الأفذاذ في كل عصر يشكّلون قلّة أمام سيل الأنصاف والدخلاء، ثم أن أولئك الأفذاذ مجبولون في العادة على الوقار والميل إلى القليل من الكلام وحب العزلة والبعد عن مخالطة الناس في معايشهم ويؤمنون أن العلم يُؤتى إليه ولا يأتي بنفسه، بينما الآخرون فهم في كل مكان وكل مناسبة ولا يصمتون قط!
°


ولكن ذلك الصنف الأول ألا يزيد أصحابه من صعوبة مهمّة الآخرين في محاولة الاقتراب من أسوار الحقيقة (التي هي غاية كل علم) بخصالهم هذه الأبيّة العنيدة؟!

بلى!، وكأنّ ذلك قانون من قوانين العلم!: ألا يُنال بسهولة!
والله أعلم!